مقالات ورأي

الحرب العالمية الرابعة ؟

بقلم : معصوم مرزوق

كنت دائما أعتبر أن الحرب العالمية الثانية لم تكن الحرب الكونية الأخيرة ، فقد كانت هناك حرب عالمية ثالثة مسكوت عنها رغم أنها استمرت لمدة نصف قرن تقريبا ، وكانت الخسائر فيها لا تقل عن خسائر الحروب العالمية التي سبقتها ، إلا أن هذه الحرب العالمية الثالثة كان يطلق عليها إسما مخففا ، فقد كانوا يطلقون عليها إسم ” الحرب الباردة ” والتي لم تكن تتسم بالبرودة إلا في الحيلولة دون إستخدام السلاح النووي ، أما فيما عداه فقد اشتعلت الكرة الأرضية بعشرات الحروب الساخنة ، كان بعضها حروباً بالوكالة ( War by Proxy ) ، وبعضها حروباً أهلية أشعلتها أجهزة المخابرات علي الجانبين كي تضع في السلطة حكومة موالية لها ، وهكذا سقط مئات الآلاف في الحرب الكورية وحرب فييتنام التي امتدت إلي كمبوديا ولاوس ، وعشرات الحروب والإنقلابات في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية .. إلخ .

أي أن ما أطلق عليها ” الحرب الباردة ” لم تكن سوي ” حرب كونية عالمية ” ولكن بأساليب مختلفة وعلي مدي أطول ، فإذا كانت الحرب العالمية الثانية مثلاً قد أمتدت من 1939 إلي 1945 ، فأن الحرب العالمية الثالثة ( الباردة ) أمتدت من تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي منتصف تسعينات القرن الماضي ( حوالي 45 عاماً تقريباً ) ، وكان ما ترتب عليها وخيماً بالنسبة للقارة الإفريقية مثلاً ، فمنذ إستقلال دولها بعد حروب تحرير مضنية ، تم إقحامها في أتون الحرب العالمية الثالثة ، كي تستمر أغلب هذه الدول حتي الآن تعاني من مشاكل هيكلية طاحنة ، بعد أن تم وقف نموها كي تستخدم كذخيرة في تلك الحرب الكونية الباردة .

ولكي نعطي أمثلة بسيطة عن مدي الدمار الذي لحق بالعالم في تلك الحرب العالمية المسكوت عنها ، فيكفي أن نشير إلي أن خسائر كوريا الجنوبية في تلك الحرب بلغت 600 ألف قتيل ، فيما كانت خسائر المتطوعين الصينيين في الحرب الكورية حوالي 400 ألف قتيل ، وقدرت خسائر كوريا الشمالية حوالي 500 ألف قتيل آخرين ، ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية شنت حربها في كوريا متذرعة بقرار من الأمم المتحدة ( رقم 84 ) ، وتحالف معها عدد كبير من الدول شملت كل دول أوروبا الغربية وكندا وكذلك تركيا وجنوب إفريقيا وكولومبيا والفلبين وتايلاند ، كما شاركت بعثات طبية من الدنمارك وإيطاليا والنرويج والهند والسويد ، وكان إجمالي تلك القوات المتحالفة تقريباً يزيد علي مليون مقاتل ، وقد بلغت خسائر القوات الأمريكية في الحرب الكورية حوالي أربعين ألفاً من القتلي ،بينما خسر حلفاؤها حوالي ثلاثة آلاف قتيل .

كذلك كان الحال في الحرب الفيتنامية والتي استمرت حوالي عشرين عاماً ، من عام 1955 إلي عام 1975 ، وامتدت إلي كمبوديا ولاوس ، وبلغ عدد قتلي فيتنام ( شمالاً وجنوباً ) حوالي مليون ونصف قتيل ، بينما بلغت وفيات أمريكا وحلفائها حوالي 300 ألف قتيل ، إلا أن هناك من يذهب بالأعداد إلي أضعاف هذه الأرقام ..
وكانت خسائر المدنيين في أفغانستان خلال حملة بوش الصغير أكثر من 70 ألف قتيل ، فيما بلغت خسائر طالبان أكثر من 60 ألف قتيل ، وقد خسرت أمريكا وحلفاؤها حوالي أربعة آلاف قتيل تقريباً ، وبالطبع كانت هناك مآساة أخري في أفغانستان أثناء الغزو السوفييتي .

الأمثلة المشار إليها عاليه ، لا تشتمل علي الحصر الكامل لضحايا الحرب العالمية الثالثة ( الباردة ) ، فقد كانت تدور في كل العالم في توقيت واحد ، وهي ترتدي القبعات الأيديولوجية المختلفة في صراح الكتلة الشرقية مع الكتلة الغربية ،

وقد تزاحمت نظريات الحرب خلال تلك الفترة التي بلغت نصف قرن تقريباً ، وكانت في أغلبها إنعكاساً مخيفاً لما وصل إليه العالم من تقدم في صناعة الدمار وخاصة أسلحة الدمار الشامل ، حتي وصلت ذروتها في مطلع ثمانينيات القرن الماضي حين صعد رونالد ريجان سدة الحكم في واشنطن ، ذلك الممثل الأمريكي الذي كان يلعب أدوار رعاة البقر في أفلام السينما ، ولم يتخل عن موهبته في التمثيل أو عن دور راعي البقر عندما أصبح رئيساً لأعظم قوة في العالم ، وسادت في تلك الفترة نظريات عن حرب الكواكب ( وكأن الأرض لم تعد كافية لممارسة هواية الدمار ! ) ، وأصبح الرعب النووي يحلق فوق كل رؤوس البشرية بنظريات مثل ” الردع المتبادل ” ، و” الحرب النووية المحدودة ” ، وكلها أفكار جهنمية ترسم صورة كئيبة ومفجعة لحرب نووية يمكن لها أن تدمر الكرة الأرضية عدة مرات ! ..

فقد كانت نظرية ” الحرب النووية المحدودة ” مثلاً تذهب إلي أن أمريكا يمكن أن تكسب الحرب النووية إذا تمكنت من إنفاق بضعة مليارات من الدولارات في مشروعات الدفاع المدني في بناء الملاجئ الواقية من بعض آثار الإشعاع النووي ، وقد ذهبت الوكالة الأمريكية لإدارة الطوارئ الفيدرالية آنذاك إلي أنه يمكن إنقاذ حوالي 80% من سكان أمريكا في حرب نووية محدودة إذا تم استكمال تلك المشروعات المدنية الوقائية ، أي أن النصر في هذه الحالة لن يكلف أمريكا سوي أن تخسر بضع مليارات من الدولارات تذهب إلي جيوب الشركات العملاقة ، بالإضافة إلي موت عشرات الملايين من الأمريكيين في هذه المحرقة المتوقعة ( بنسبة 20% فقط ! ) ، وبالطبع لم يدخل في الحساب إحراق أوروبا كلها وبعض القارات الأخري في هذه النظرية المجنونة التي سادت وكان لها أنصارها .

وقد كان لألكسندر هيج (الذي شغل مناصباً مختلفة في الإدارات الأمريكية ومنها وزارة الخارجية ) تصريح شهير أمام إحدي لجان الكونجرس الأمريكي في تلك الفترة المجنونة ، حيث قال إن حلف الأطلنطي لديه خطط لإستخدام السلاح النووي ” لأغراض التهديد ، إذا بدأ الإتحاد السوفييتي حرباً تقليدية في القارة الأوروبية !! …

وفي 25 ديسمبر 1991 إستقال آخر قياصرة روسيا جورباتشيف ، واضعاً خاتمة التجربة الشيوعية التي استمرت 74 عاماً في الإتحاد السوفييتي ، وكان زلزالاً ضخماً أطاح بذلك الكيان الضخم الذي تفككت جمهورياته ، فضلاً عن إنتهاء النظام الشيوعي في دول الكتلة الشرقية ، وتبخر ما كان يطلق عليه حلف وارسو ، وهلل الغرب لما أعتبره الإنتصار الساحق لنظامه السياسي والإقتصادي ، وخرجت مئات الكتب التي تتناول هذا النصر لدرجة أنه أحدهم ( فوكوياما ) أعتبره ” نهاية التاريخ ” ، ومع ذلك فقد كانت هناك بعض الترتيبات السياسية التي تضمنت الحفاظ علي ماء وجه الدب الروسي ، وكان بعضها يشتمل علي تفاهم غير مكتوب بأن التمدد العسكري لحلف الأطلنطي لن يقترب من الدول المتاخمة لروسيا الإتحادية ، بل أن هناك من ذهب إلي أن ” حلف الأطلنطي – الناتو ” نفسه لم يعد هناك مبرر لإستمراره علي إعتبار أن الحلف المضاد ( وارسو ) قد تبخر ، وعاش المثاليون يحلمون بعالم جديد لا حرب فيها ..

لقد سمع العالم كله أمس زئير القيصر الجديد بوتين من الكرملين ، مشبعاً بتذكارات التاريخ وروسيا القيصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، ومذكراً الغرب بإستهانتهم ببلاده .. ذلك الزئير لا يختلف في مبناه ومعناه عن دقات طبول الحرب في نسختها الكلاسيكية التي شهدها العالم في الحرب العالمية الأولي والثانية ، فهل هي مقدمات لحرب عالمية رابعة ، أم أنها عودة للحرب العالمية الثالثة ( الباردة ) ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى