الرئيسية / مقالات / فانتازيا أم تراجيديا لبنانية ؟

فانتازيا أم تراجيديا لبنانية ؟

نبيه البرجي
هل كان أبو يعرب أو أبو عبده , وهل كان أبو الزعيم أو أبو الجماجم أو أبو الهول أشد هولاً من آباء الجمهورية الثانية , وقد انتقلوا بنا من ثقافة الأرجوان الى ثقافة الصفيح , ومن ثقافة الاشعاع الى ثقافة الطنابر ؟
أمّا وقد وصفنا دانتي في “الكوميديا الالهية” بالقول “رأيت في أروقة الجحيم أناساً لا يعيشون ولا يموتون” , من في متحف الشمع هذا من هو بقامة كونراد اديناور الذي خاطب مواطنيه بعدما تحولت برلين الى ركام “لندع التاريخ للتاريخ . هاجسنا الآن عبقرية الآتي لا عبقرية الماضي” ؟
ومن هو بقامة مهاتير محمد الذي أخرج بلاده من ليل السلاطين , وليل الاتنيات , وقال لبني قومه “لا أعدكم بالانتقال بكم الى المريخ . أعدكم بأن أجعل من ماليزيا دولة للحياة” ؟
ومن هو بقامة ونستون تشرشل الذي قال للانكليز , وكانت قنابل الفوهرر تنهمر على رؤوسهم , “لم يعد يعنيني فائض التاريخ , ولا فائض الجغرافيا . ما يعنيني , في هذه اللحظة , فائض الأمل” ؟
ماذا فعل بنا تماثيل الشمع سوى أنهم حولونا الى فقاعات بشرية , فقاعات طائفية . هياكل عظمية وتلهث وراء الفتات ؟ فتات الأبراج العالية , القبور العالية , وحيث يقبع أساقفة الخراب …
نحن الذين قهرنا القوة التي لاتقهر , لم نعرف هذا المستوى من القهر , وهذا المستوى من العوز , وهذا المستوى من العار , ان في زمن ياسر عرفات , أو في زمن غازي كنعان . أي احتلال يجثم الآن على ظهورنا ؟
وكيف لنا أن نعثر على من يرفع الراية , وينفخ في الأبواق , ويقرع الطبول , لاجتثاث هذا الاحتلال ؟ لا أحد هناك . ثورة 17 تشرين قرقعة على الطناجر .
اذاً , لننتظر القضاء والقدر (ولا ندري ما كان في رأس الله حين وصف الرسول العربي بخاتم الأنبياء) , أو لنتظر توافقاً دولياً , واقليمياً , الأمر المستبعد كلياً في الوقت الحاضر , على هوية القوة التي ستحملنا الى وثيقة طائف أخرى , أي الى فضيحة دستورية , وفضيحة سياسية , أخرى , وتضعنا , ثانية , في مهب الحرائق .
قلنا حرب الحقائب لكأنها حرب طروادة . جنرالات الفانتازيا اللبنانية أم زبانية التراجيديا اللبنانية ؟ فارق شاسع بين الفانتازيا والتراجيديا , حتى اذا ما دقت ساعة القيامة , وظهر الدخان الأبيض في القصر , ماذا يمكن أن يتغير اذا كان الوزراء الدمى , وبمنطق المحاصصة و …. التفاهة ؟
لا يمكن للجمهورية الثالثة أن تولد , ولو من الخاصرة , على أيدي أصحاب الأيدي الخشبية , وأصحاب الأدمغة الخشبية . لم نعد شيئاً في يوميات العالم . واشنطن تبعث بروبرت مالي , الديبلوماسي المحنك , الى موسكو وباريس من أجل اقناع آيات الله بالعودة الى مفاوضات فيينا . هذا ما يثير عصبية زعيم سياسي , صديق لواشنطن , ليسأل ” ألا نستحق نحن مبعوثاً أميركياً ولو بمواصفات … غوار الطوشي ؟” .
لا دولة في لبنان , اذا تسنى لكم أن تقرأوا ما يكتب في الصحف الغربية الكبرى . هؤلاء العالقون في السلطة , ااذا كان هناك من أثر للسلطة (في زحلة لا وجود لنسخ عن اخراجات القيد , وثمة في البقاع من يدعو الى اقامة دولة مستقلة) . ليسوا أكثر من أوان فارغة , أطباق فارغة , بقرقعتها اليومية على الشاشات .
خبير في صندوق النقد الدولي ضحك كثيراً حين قيل له ان صراع الحقائب بين رئيس الجمهورية , ومن وراءه , والرئيس المكلف , ومن وراءه , يتمحور حول من يتفاوض مع الصندوق . قال “شروطنا , وحلولنا جاهزة , ولا داعي للمفاوضات من أجل المضي في اضاعة الوقت . ولا أعتقد أنه سيكون باستطاعتنا تعويم الطبقة السياسية لأننا لا نمتلك صلاحيات احياء الموتى” !!
هذا الكلام الذي يعكس واقع الحال , ويظهر الى أي مدى أولياء أمرنا منفصلون عن الواقع , يعني أننا سنكون تحت الوصاية الأبدية لصندوق النقد الدولي . لا شيء هناك يدعى رئيس الجمهورية , ولا شيء هناك يدعى رئيس الحكومة . بمعنى آخر دولة كريستالينا جورجيفا لا دولة هنري غورو .
حرب طروادة عندنا بصهيل السلاحف لا بصهيل الخيول . فانتازيا لبنانية أم تراجيديا لبنانية ؟ هذه هي المسألة ياسيدتي المركيزة … !

شاهد أيضاً

هل يحدّ “الربط الثابت” للدولار من تداعيات تحرير الدعم عن المحروقات؟

بقلم خالد ابو شقرا – نداء الوطن تضميد “جرح” دعم المحروقات “النازف” بعدما صفّى الاقتصاد …