الرئيسية / مقالات / حكومة دولية في لبنان

حكومة دولية في لبنان

نبيه البرجي
تقريباً , كل الدول البعيدة والقريبة , المعنية بالوضع اللبناني , موجودة , بشكل أو بآخر , في حكومة نجيب ميقاتي …
التقاطعات الدولية , والاقليمية , هي التي انتجت هذه الحكومة بعد الزلزال الأفغاني , باحتمالاته الاستراتيجية المدوية , وبصورة خاصة في واشنطن التي بلغت خشيتها الذروة من سقوط الشرق الأوسط بين فكي التنين .
كنا قد لفتنا الى أن الأجهزة الأميركية لاحظت أن الصينيين باشروا , للتو , في اجراء محادثات واسعة النطاق مع قادة حركة “طالبان” الذين لا يملكون أي تصور حول حل المشكلات الاقتصادية الهائلة التي تهدد بانفجار الفوضى الداخلية , وبطبيعة الحال تضع وجودهم في السلطة على حافة الهاوية .
كما لفتنا الى أن باكستان تبدو وقد انفصلت عن المسار الاستراتيجي الأميركي , وأقامت علاقات “عضوية” مع الجار الصيني . وتبقى ايران , بالديناميكية الايديولوجية العاصفة , وبموقعها الجغرافي , وقد عقدت صفقة ربع القرن مع الصين (400 مليار دولار) .
اذا باتت البلدان الثلاثة على الضفة الأخرى , مامآل المصالح الأميركية في الشرق الأوسط الذي قد ينتقل من وصاية الجنس الأبيض الى وصاية الجنس الأصفر ؟
الأميركيون الذين يستعجلون العودة الى مفاوضات فيينا (تالياً الى اتفاق فيينا) يرغبون في تطبيع العلاقات مع ايران التي تدرك ماذا يعني وجود أفغانستان بين “أشداق أولئك الذئاب” . من هنا التعامل برؤوس الأصابع مع الملاّ هبة الله أخوندزاده . هذا الوضع قد يساعد على قبول طهران بوساطة ايمانويل ماكرون الذي لا شك أن اتصاله بابراهيم رئيسي ساهم في الدفع باتجاه تشكيل الحكومة اللبنانية .
الروس أيضاً يتوجسون من التداعيات الأفغانية على آسيا الوسطى . وجود تركيا في أفغانستان يثير لديهم الكثير من القلق (والغضب) . تنسيقهم مع ايران في هذا الصدد “شغّال” على مدار الساعة .
السعوديون الذين تابعوا بذهول الهروب الأميركي من البلد الذي حكموه على مدى عقدين , وحيث بدأ شبح أسامة بن لادن في الظهور , يطرحون اسئلة كثيرة حول ما ينتظر المنطقة حين تخلو من الأساطيل الأميركية .
وسائل الاعلام الفرنسية تتحدث عن ضوء أخضر أميركي حمل الرياض على وقف معارضتها لتشكيل أي حكومة في عهد ميشال عون . هنا السؤال الطبيعي ما اذا كان البيت الأبيض سيفتح أبواب الخليج أمام نجيب ميقاتي , باعتبار أن الخلاص الاقتصادي , والمالي , يأتي من هناك .
بطبيعة الحال , ناقلات النفط الايرانية هزت أكثر من بلاط عربي , كما هزت الاسرائيليين الذين يتخوفون مما يصفونه بـ” الاحتواء الايراني لما تبقى من الدولة اللبنانية” . أمام الملأ كانت المبادرة الأميركية , المبادرة الدراماتيكية , لامداد الأردن بكميات اضافية من الغاز المصري من أجل استجرار الطاقة الكهربائية الى لبنان .
أشياء كثيرة , ومثيرة , حصلت وراء الضوء . الأميركيون الذين طالما كان لبنان بعيداً عن أولوياتهم , ظهروا بقوة على المسرح . ولكي لا يثيروا حساسية “حزب الله” وقفوا وراء الديبلوماسية الفرنسية التي نجحت في كسر الحلقة المفرغة , ولكن بعد التراجع عن الدعوة الى تشكيلة حكومية لا أثر فيها للقوى السياسية .
هكذا عاد الخط الساخن , بعدما كاد ينقطع , بين الرئيس المكلف والقصر ليتصاعد , أخيراً , الدخان الأبيض . هل يستطيع ميقاتي أن يلعب دور المايسترو البارع في ادارة الأوركسترا المتعددة الولاءات , ووسط تضاريس محلية , واقليمية , ودولية , أين منها تضاريس تورا بورا ؟
لم تكن آلام الناس , وقد تبعثروا في أروقة الجحيم , لتهز ديناصورات السياسة . ثمة حديث عن “كلام خطير” , بعث به السيد حسن نصرالله الى المعنيين بالتشكيل , وبعدما بدا أن الاسرائيليين بدأوا يتحدثون عن الانفجار , انفجار الفوضى , في لبنان , على أن الفوضى تفتح ثغرة في الجدار اللبناني تتسلل منها حكومة نفتالي بينيت .
في اللحظة الأخيرة (ولعلها لعبة القضاء والقدر) تشكلت الحكومة التي عليها أن تدرك أن مهمتها صناعة المستحيل لا صناعة الممكن …

شاهد أيضاً

هل يحدّ “الربط الثابت” للدولار من تداعيات تحرير الدعم عن المحروقات؟

بقلم خالد ابو شقرا – نداء الوطن تضميد “جرح” دعم المحروقات “النازف” بعدما صفّى الاقتصاد …