الرئيسية / مقالات / لا يليق ببيروت الظلام

لا يليق ببيروت الظلام

ببيروت لا يليق الظلام
يقول الخبر الآتي من لبنان إن شبكة الكهرباء فيه انفصلت بشكل كامل، يوم السبت الماضي، وإن البلاد دخلت في العتمة خاصة بعد توقف معملين رئيسيين نتيجة نفاد مادة المازوت. وأزمة الوقود في لبنان هي مظهر من مظاهر الأزمة المالية الواسعة التي أرهقت اقتصاد البلد وجعلت الأمم المتحدة تصنف ثلاثة أرباع اللبنانيين بأنهم فقراء، وتقول تقارير إن العملة اللبنانية فقدت على مدى العامين الماضيين، 90 في المئة من قيمتها.
محزن أن البلد الذي أشاع أنواره على ديار العرب كلها يجد نفسه في الظلام، وهذا لعمري أشدّ مظهر من مظاهر المآلات الصعبة التي انتهى عالمنا العربي إليها اليوم وجعاً، بحيث إن العاصمة العربية التي أضاءت بأنوارها كل زوايا العتمة في حياتنا الثقافية والفكرية، تجد هي نفسها معتمة، ليس فقط لأن الكهرباء تنقطع فيها، وإنما لتتالي المحن عليها.
لن يستقيم الحديث عن تاريخ الحداثة العربية دون الوقوف على الدور التنويري المهم الذي أدته بيروت في صنع ميراث هذه الحداثة وتقاليدها، ليس بصفتها مطبعة العرب، كما يردد أحياناً، على الرغم من حيوية الدور الذي أدته دور النشر اللبنانية منذ وقت مبكر في طباعة وترجمة الأعمال الأدبية والفكرية المهمة للمبدعين والمفكرين العرب، وحيث كان لمناخ الانفتاح وحرية النشر دوره الكبير في تعميم المؤلفات والكتب الحاملة لأفكار الحداثة، وإصدار الدوريات التي كانت رافعة للمدارس الحديثة في الشعر والنقد والسرد وفي الفكر، وإنما أيضاً لأن بيروت، ولبنان عامة، قدّم للعرب وجوهاً بارزة في التجديد الثقافي والفكري والفني، فهو ولّاد للمبدعين الذين تجاوزا في صيتهم وأهمية ما أبدعوه، النطاق الجغرافي المحدود للبنان، ليبلغوا الفضاء العربي كاملاً.
ولم تقدّم بيروت مواهب أهل لبنان أنفسهم من شعراء وأدباء وكتاب وفنانين في مختلف مجالات الفن كالمسرح والتشكيل والسينما، وإنما احتضنت أسماء عربية مهمة، وجدت فيها المناخ الضروري للحرية وخصوبة الحوار والتفاعل، سواء من الذين اختاروها مكاناً للإقامة؛ لأنهم وجدوا فيها الحرية والانفتاح غير المتوفرين بالقدر نفسه في بلدانهم الأم، أو أولئك الذين وجدوا في الدوريات والصحف الصادرة فيها منابر لنشر إبداعاتهم.
أخذ دور بيروت كعاصمة للثقافة العربية في التراجع التدريجي بعد اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينات، التي كانت فاتحة سوداء لمجموعة من المحن والنكبات المتوالية على المدينة، لكن بيروت، ولبنان عامة، ظل يقاوم المحن بكل ما أوتي أهله من إرادة وعزيمة، فما أرساه اللبنانيون من مداميك الحداثة والتقدم لم يكن من السهل اقتلاعها كاملة، وظلت بيروت النور والمنارة التي لا يليق بها الظلام.

 

شاهد أيضاً

عدو اسرائيل … عدونا

نبيه البرجي “عدو اسرائيل … عدونا” !! هذه هي الحكاية , أصل الحكاية , وجوهر …