مقالات ورأي

فلسفة استراتيجية لكرة القدم ؟

نبيه البرجي

في التسعينات من القرن الفائت , كتب هنري كيسنجر عن العلاقة بين الفلسفة الاستراتيجية لدولة ما وأداء فريقها في كرة القدم . في البداية , ندد بقول وزير الثقافة الفرنسي جاك لانغ ان الفريق الأميركي يدخل الى الملعب كما لو أنه يغزو , على صهوة الخيول , قرية للهنود الحمر …
لانغ قال أيضاً “انهم يلعبون بأقدام نووية . شي ما يشبه الانزال البحري , أو الجوي , على منجم للذهب , أو على حقل للنفط” . كيسنجر لم يعلم ما اذا كان هذا الكلام تعبيراً عن السخرية أم تعبيراً عن الكراهية الديغولية لأميركا .
لكنه اعترف أن المنتخب الأميركي يلعب على قرع الطبول , ويفترض أن يسحق منافسه . “وحين سألت مدرباً عن السبب في هذه الحالة السيكولوجية , أجابني “هنا لا تستطيع الا أن ترتدي شخصية الكاوبوي لتثير الهلع لدى اللاعبين الآخرين” . ماذا اذا خسر الأميركيون “لن أردد ما قاله لانغ من أنهم يخرجون … بالتوابيت” !
عن الانكليز , كتب “أنهم يلعبون بدم بارد , وبالكثير من الحنكة , ومن الحبكة الشكسبيرية , كما لو أنهم على الخشبة لا على الأرض . لكن المفارقة أن الجمهور يغلي الى حد الجنون . وحتى حين يلعب فريقان انكليزيان , لا بد أن تتوقع حرباً أهلية في بريطانيا” .
الألمان ؟ “انهم الصاعقة” . “هنا التفاعلات الفلسفية في العقل الألماني , وعلى مدى قرون , تنتقل الى الأقدام التي تنطلق على الطريقة البيسماركية” . لم يقل على الطريقة الهتلرية بالرغم من التماهي الميداني بين الرجلين .
“مجرد أن ينزل المنتخب الألماني الى الأرض يفترض أن تتزعزع الأرض . وحين يخسر الألمان يشعر العالم أن مصيبة وقعت . مجلة “دير شبيغل” أوحت , في المونديال السابق , بأن سقوط المنتخب الألماني سقوط التاريخ” .
كيف يلعب الفرنسيون ؟ يقول كيسنجر “تشعر كما لو أنهما فريقان اندمجا للتو بطريقة عجيبة , أو بطريقة سحرية . يحدث أنك تجمع بين الماريشال بيتان والجنرال ديغول تحت خيمة واحدة , أو بين منهجية ديكارت ونرجسية بونابرت . اذا ما هزم المنتخب الفرنسي لا تستغرب أن يستعيد الفرنسيون ذكرى واترلو , ويعلقون الزنابق السوداء على صدور أعضاء المنتخب” !
البرازيليون في نظره يختزلون “الروح المعذبة” و”الروح النقية” في أميركا اللاتينية . “حين تضع أولاد الأزقة تحت الثريات . انهم أصحاب الأقدام التي تجعل الآخرين يشعرون بأنها أقدامهم …” .
العرب طارئون على كرة القدم . من سباق الابل , وسباق الخيول , الى ترويض , ورياضة , الصقور . واذا كان الخبراء يعتبرون أن المباريات الأولى في المونديال تعكس مدى أهلية المنتخبات , كان مدوياً فوز السعودية على الأرجنتين (ولكم تمنينا لو كان الفوز على أميركا) . بلاد خورخي بورخيس التي طالما فاخرت بليونيل ميسي كونه خليفة دييغو مارادونا , بأدائه الفذ …
شخصياً , لست من هواة كرة القدم , لكنني أتتبع مباريات المونديال (ربما من الزاوية الكيسنجرية) . بطبيعة الحال , كنت ولا أزال متحمساً للمنتخبات العربية عسانا نلامس الكأس الذهبي للمرة الأولى في تاريخ المونديال .
أثناء المباراة بين السعودية والأرجنتين , عرّجت من قبيل الفضول , أو من قبيل الاستطلاع , على بعض مقاهي الضاحية . فاجأني ابتهاج رواد هؤلاء المقاهي بفوز المنتخب السعودي . كانوا يهزجون كلما هز الصقور الخضر الشباك الأرجنتيني .
أحدهم الذي عرفني قال لي “أكتب عن فرحتنا بفوز منتخب عربي على أهم لاعب في العالم , لكي يقرأ السفير وليد البخاري مدى فرحتنا بذلك الفوز الذي هو فوز لكل العرب , ولكي يعلم أن الضاحية التي دحرت الاحتلال هي قلعة العرب وقلعة العروبة …” .
ولكن هل لقطر التي أنفقت ما يفوق المائتي مليار دولار لتنظيم الحدث , وهو مبلغ خيالي , أن تمنى بالخسارة , ومن الساعة الأولى للافتتاح , أمام منتخب الاكوادور . هذا البلد من أميركا اللاتينية التي أعطاها لبنان 11 رئيساً للجمهورية ؟ لا ندري , أهي الصدمة أم الفضيحة ؟
هنا في لبنان , ساعات من الانبهار لننسى مصائبنا , ولنشيح بنظرنا عن الكوميديا السوداء في ساحة النجمة . هناك مهرجان لكرة القدم , وهنا مهرجان … لكرة النار !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى