مقالات ورأي

دولة مدنية وسط الأدغال ؟؟

نبيه البرجي
العاجزون عن صناعة رئيس للجمهورية , كيف لهم أن يصنعوا الجمهورية …؟!
أكثر بكثير من أن يكون زمن العار (وقد تكدست الفضائح فوق الفضائح) . فرانز كافكا , بسوداويته الفذة , تحدث عن “الوجوه التي لكأنها رخام القبور” . كوننا القبور البشرية نصف الأموات ونصف الأحياء . كما أشرنا , لا أحد مثل دانتي أتقن توصيف حالتنا في “الكوميديا الالهية” . “في الجحيم رأيت أناساً لا يعيشون ولا يموتون” .
ترانا نعلم الى حيث نتدحرج ؟ لنأخذ بالاعتبار ما تقوله معاهد الأبحاث الاسرائيلية . “دولة تتأرجح بين البقاء واللابقاء” . المثير تساؤلهم “ماذا عسانا نفعل اذا ما زال , أو انفجر , لبنان ” . لا نتصور أنهم بعيدون عن بعثرتنا , وهم الذين يراهنون على ترحيل عرب الجليل الى ديارنا , بعدما عقّب آرييل شارون على وصف هنري كيسنجر لبنان بـ”الفائض الجغرافي” , بالقول “… والخطأ التاريخي” !
من المآثر الكبرى للطائفية في بلادنا , ودون الاكتراث بصرخة المادة 95 من الدستور , ما تناهى الينا من مرجعية دينية . صيحات للقادة المسيحيين “انقذوا , في الحال , رئاسة الجمهورية” , لا انقاذ الجمهورية , ودون أن نكون في نظام توتاليتاري حيث الدمج بين النظام والدولة …
دستور ملتبس لدولة ملتبسة , كما لو أن تفخيخ النصوص كان مبرمجاً لنبقى , هكذا , على الخشبة . لنفترض أن القوى الخارجية توافقت , في لحظة ما , على تسمية رئيس للجمهورية , وحتى على طريقة طهو الديك الرومي , كما كان يفعل ريتشارد مورفي . هل المشكلة في رئيس الجمهورية أم في الجمهورية التي تلد الأزمات تلو الأزمات ليتواصل الرقص على حافة الهاوية ؟
ماذا قال جان ـ ايف لودريان , وماذا قالت بربرا ليف , حتى أن رئيس المجلس النيابي وصف حالنا بـ”الويل” . يا دولة الرئيس من ينقذنا من هذا “الويل” ؟ حتماً , ليست العصا السحرية لمفعولها الآني . غالباً ما تأتي بـ “تسوية اللحظة” . لبنان بحاجة الى معجزة بامكاننا أن نجترحها , وان كان مستشار للبنك الدولي قد اعتبر أن الخلاص يفترض تغيير “كل شيء” .
هل نغيّر الجبال , مثلاً , أم نغيّر الرجال , أم نغيّر ماذا ؟ حقاً , لا ندري من أين , وكيف , نبدأ التغيير . النواب التغييريون فقاعة سياسية واعلامية لا أكثر .
هذه هي المشكلة ـ يا سيدتي المركيزة ـ كلنا ضالعون في انتاج هذا الفساد العظيم , وهذا الخراب العظيم . الخراب السوسيولوجي , بالدرجة الأولى , وقد قامت بيننا الستائر الترابية . أسوأ بكثير من أن تكون الكانتونات الطائفية . الدوقيات الطائفية , ومن طراز القرن الثامن عشر .
نعلم أننا الضحايا في منطقة تتقاطع فيها الفوضى الايديولوجية والفوضى الاستراتيجية , وبينهما الفوضى القبلية . لا مجال لاقامة الدولة المدنية ـ وهي الحل ـ وسط هذه الأدغال . ولكن من المستحيل أن تبقى دولة الطوائف , ودولة المافيات . ظلال باهتة للقوى الدولية , وللقوى الاقليمية , على السواء .
وراء الضوء , يقال لنا , ما دمنا, ومرة أخرى , دولة الغرائب , في أية لحظة قد يوحي الروح القدس لجبران باسيل أو لسمير جعجع بانتخاب سليمان فرتجية . الأول تجنباً للقطيعة مع “حزب الله” , والثاني بايعاز من مرجعيته الخارجية , باعتبار أن فرنجية في القصر هو غيره في أي مكان آخر …
ويقال ان رئيس تيار المردة مدّ يده , أكثر من مرة , الى قائد “القوات اللبنانية” الذي يفترض أن يكون على بيّنة بأن فرنجية ليس برجل الثأر , وليس برجل الدم . من دون اعلان , لا بد من عقد ميثاق النسيان Pacto del olvido بين الرجلين , بل وبين كل مكونات الفسيفساء اللبنانية .
ولكن هل يمكن أن يأتي ذلك بدولة الشفافية , وبدولة الحوكمة , دون بلورة الديناميات , والآليات , الفلسفية التي تحدد شخصية هذه الدولة ؟ هنا الأولوية التي يخشى البعض الاقتراب منها لأنها تقتضي جراحة دستورية يمكن أن تكون لها تداعياتها (الطائفية) الخطيرة على الأرض .
اذاً البقاء , الى اشعار آخر , داخل هذا الستاتيكو , وحيث الاقامة على حافة الاحتمال , وان قيل لنا ان الشرق الأوسط كله على حافة الاحتمال . ماذا باستطاعة حجارة الشطرنج أن تفعل سوى الانتظار ؟
الخشية أن نكون “بانتظار غودو” كما في مسرحية اللامعقول لصمويل بيكيت . ألسنا في دولة اللامعقول ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى