الرئيسية / مقالات / اتفاق أميركا وايران على اللااتفاق ؟

اتفاق أميركا وايران على اللااتفاق ؟

نبيه البرجي
لكأن ما يحدث في فيينا التفاوض للتفاوض . ربما تكون هذه رغبة الجانبين . تكريس حالة الاتفاق واللااتفاق . لعلها الخيار المثالي ريثما ينجلي غبار الحرب العالمية الثالثة !
هذا لا يحول دون التساؤل , والمقاربات المتناقضة والمملة من الجانبين تتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم (ناهيك عن التراشق بالتهم) , عن المسؤول عن التعثر أو التأخر في التوقيع , وان كانت أخبار المفاوضات قد تراجعت الى الدرجة الثانية , أو الثالثة , ما دامت قعقعة السلاح في الشرق الأوروبي تصمّ الآذان كما تصمّ العيون …
جو بايدن , الغارق حتى أذنيه في الأزمات الداخلية , فيما الانتخابات النصفية في الكونغرس على الأبواب وقد تجعل منه رئيساً مع وقف التنفيذ , يعتقد أن مواصلة الحرب حتى الخريف المقبل لا تزعزع عظام القيصر فحسب , ودون نقطة دم من جندي أميركي , بل يمكن أن تفضي الى حدوث انقلاب في المشهد الانتخابي . اذ ذاك يمارس سلطاته كرئيس حقيقي دون أن يبقى رهينة الرياح العاتية التي تهب من تلة الكابيتول .
التركيبة الايديولوجية للنظام في ايران تركيبة معقدة , ومن الصعب أن تتماهى , أو أن تتداخل عضوياً , مع سياسة أي نظام آخر حتى لو ربطت بينهما علاقات استراتيجية . لهذا يعتقد الأميركيون أن الجمهورية الاسلامية لا يمكن أن تكون “دمية روسية” على أبواب الشرق الأدنى , كما على أبواب الشرق الأقصى .
روبرت مالي , رئيس الوفد الأميركي , تحدث غداة توقيع اتفاق 2015 , عن “الازدواجية الخلاقة” في الديبلوماسية الايرانية . اذ يظهرون غالباً بوجوه متجهمة هم داخل الردهة براغماتيون ويتقنون “لغة الثريات” .
لا أحد يشك في رغبتهم احياء اتفاق فيينا , لهذا لوحظت مواقفهم الهادئة حيال الأزمة الأوكرانية , وحيث تتفادى القيادة أي عقوبات اضافية قد تخلخل النظام الذي لا يمكنه الاعتماد , الى الأبد , على التعبئة العقائدية , وعلى العصبية العسكرية , في حين أن ثقافة السوق (والأفواه المفتوحة) تطغى على أي ثقافة أخرى . من تراه كان يتصور أن ايران تضطر لاستيراد الغاز ؟
اذ يراهن آيات الله على رفع العقوبات , وخروج بلادهم من عنق الزجاجة , لا يريدون الغلبة الأميركية على الحليف الروسي , وهم الذين يرصدون , بما يشبه الصدمة , الضياع الروسي في التضاريس الأوكرانية . هذه الحال تحملهم على التريث في دفع المسار الديناميكي للمفاوضات كي لا يشعر الكرملين , الشديد العصبية في هذه الأيام , بأي طعنة في الظهر من دولة لطالما وقف الى جانبها في أكثر الظروف دقة وخطورة …
هذا وان كانت لدى القيادة الايرانية علامات استفهام كثيرة , وحادة , حول امتناع موسكو عن تزويدها بمنظومة “اس.اس ـ 400 ” , وقد باعوها الى رجب اردوغان الذي يتوجس فلاديمير بوتين من طريقة لعبه داخل الشقوق الأميركية والروسية على السواء .
يضاف الى ذلك ما وصفه المعلق الأميركي ديفيد اغناثيوس بـ “رقصة الفالس الروسية على المسرح السوري” بين طهران وتل أبيب (وأنقرة) , وان كان الخبراء يعيدون تلك الحالة الى كون روسيا لها مصالحها الخاصة , وقراءتها الخاصة لللمسارات الاستراتيجية في الشرق الأوسط , ما يقتضي الأخذ بالنهج التكتيكي اياه , وهو ما يخدم الدولة السورية بدلاً من اضرام المزيد من الحرائق على الأرض .
هكذا تبدو الأجواء التي تحيط بمفاوضات فيينا . الأميركيون يتريثون , بضغط من الاسرائيليين , كما من بعض الحلفاء العرب , حتى اذا ما تمكنوا من دحر الروس بات باستطاعتهم جر طهران الى التنازل ان في مشاريعها الباليستية أو في مشاريعها الجيوسياسية .
الايرانيون , وان كانوا يتمنون العودة السريعة الى الاتفاق , يفضلون الحد من الايقاع التفاوضي بانتظار ما سيكون , وبعدما دعا الروس الى ضمانات حول العقوبات .
كيف يمكن تمرير الاتفاق , بالتداعيات الاستراتيجية الفائقة الأهمية ووسط تلك الأمواج الهوجاء ؟ المسرح الدولي يبدو أحياناً أقرب ما يكون الى مسرح اللامعقول . انها لعبة الأمبراطوريات التي توحي , بين الحين والآخر , بنهاية العالم . في الواقع , بداية أخرى للعالم …

شاهد أيضاً

حصار أم اقتحام الضاحية الجنوبية ؟!

نبيه البرجي هل يقول وليد جنبلاط لسمير جعجع “اياك واللعب مع (أو ضد) نبيه بري …