مقالات ورأي

تتطلّب وضع قانون جديد وتفتح المجال للكثير من الأخذ والردّ في “بازار” التجاذبات السياسية المحكمة الخاصة بالأمور المصرفية… “تشريع اللاضرورة”

خالد أبو شقرا-نداء الوطن

12 آب 2022

مطالبة جمعية المصارف بإنشاء محكمة مصرفية خاصة لتحقيق العدالة أو للمماطلة وتمييع الدعاوى؟!
في الوقت الذي تعلو فيه الأصوات المنادية بالحد من توسّع المحاكم الخاصة والإستثنائية، فاجأت جمعية المصارف الجميع بمطالبتها بإنشاء محكمة خاصة بالأمور المصرفية.

“بذور” هذا الطرح التي زُرعت مع بداية “موسم” بت بعض القضاء بالدعاوى لمصلحة المودعين، “زهّرت” بعد “غيث” توقيف رئيس مجلس إدارة الاعتماد المصرفي طارق خليفة، على خلفية دعوى تتعلق بالاسهم التفضيلية. إذ رأت جمعية المصارف في بيانين متتاليين أن “الدعاوى المرفوعة ضدها تتطلب حداً أدنى من الإلمام بقوانين خاصة كالقوانين المصرفية والمحاسبية”. ملمحة إلى عدم كفاءة القضاء، وعجزه عن “تحقيق عدالة واعية”. فطالبت “الجمعية” أن يصار الى إنشاء محكمة خاصة بالأمور المصرفية، على غرار المحكمة “الخاصة بالأسواق المالية” تتألف من قاض ذي خبرة في القوانين المصرفية، ومن عضوين متمرسين في العمل المصرفي.

لا داعي للمحكمة الخاصة

“من حيث المنطق لا يمكن جمع النزاعات الناتجة عن علاقة المصرف بالغير أو مع نفسه، في محكمة واحدة نظراً لتشعب القضايا واختلافها”، يقول المحامي البروفسور نصري دياب. “فالمصرف بصفته تاجراً في علاقته مع الغير تنطبق عليه القوانين التي تتصل مثلاً بالتخلف عن الدفع أو السداد، الديون وقضايا التجارة الدولية، أو الشيكات والسندات التجارية… وغيرها من القضايا التي لا تستأهل إنشاء محكمة خاصة بها. فهي تلاقي طريقها إلى الحل في القضاءين المدني والجزائي العاديين. أما اذا كان الهدف البت والفصل في قضايا هيكلة البنوك، فان المشكلة تعالج فور صدور قانون خاص لإعادة هيكلة القطاع المصرفي المنتظر، الذي يفترض به أن يعطي المحاكم الناظرة الاختصاص المطلوب.

التخصّص يكون بالغرف

إنطلاقاً من موقفه المبدئي من المحاكم الخاصة يرى البروفسور دياب أنه “من غير المستحب في لبنان إنشاء المزيد من المحاكم الإستثنائية أو الخاصة، كالمحاكم العسكرية في الجزاء، أو محاكم العمل… وغيرها. فالقضاء في النهاية جسم واحد. وإن كان هناك من حاجة إلى تخصص ما في نوع من القضايا، فيكون التخصص بالغرف التابعة للمحكمة وليس بانشاء محاكم جديدة”. وللمثال، فان “الغرفة الخامسة من محكمة التمييز، التي تضم اليوم 11 غرفة، متخصصة بقضايا التجارة والتحكيم. ولكل غرفة من الغرف العشر الباقية اختصاص محدد تهتم به”.

المعوقات

إنطلاقاً مما تقدم تبدو فكرة طرح إنشاء محاكم مصرفية خاصة غير موفقة شكلاً ومضموناً بحسب البروفسور دياب، للأسباب التالية:

– رفض إنشاء محاكم خاصة أو إستثنائية جديدة، هو مسألة مبدئية. حيث يفرض المنطق الإبقاء على المحاكم العادية، وإذا كان لا بد من اختصاص أو تخصص فيكون على صعيد القضاة كأفراد، أو على صعيد الغرف في المحاكم. وهذه هي الحال اليوم في محاكم الدرجة الاولى وفي محاكم الاستئناف وفي محكمة التمييز.

– المسائل المصرفية متشعبة جداً، وقد تتطلب تخصصاً داخل التخصص. فهناك المسائل التقليدية، التي تعتبر تجارية أكثر منها مصرفية، مثل العلاقة التي تحكم المصرف بعملائه، كعقود القرض، والشيكات، والعمليات التجارية الداخلية والدولية. وهناك العلاقة بين العميل المودع والمصرف، ومسؤوليات مجالس الادارة. وأخيراً هناك متطلبات إعادة هيكلة المصارف. هذا الاختلاف في المسائل لا يمكن أن تحتويه محكمة واحدة. الامر الذي يجعل من طلب إنشاء محكمة خاصة طلباً غير مفيد.

– يتطلب إنشاء محكمة خاصة، خلق أصول محاكمات جديدة متكاملة. فلا يكفي القول بانشاء محكمة، لكي تولد، بل يجب معرفة ممن تتكون، وكيف يُعيّن القضاة فيها، وما هي أصول المحاكمات. بمعنى، كيف تقدم الطلبات والدعاوى، وكيف تتم المحاكمة، وما هي طرق الطعن بقراراتها وغيرها. وهذا يتطلب وقتاً طويلاً. خصوصاً أن القانون الذي ستنشأ بموجبه هذه المحكمة الخاصة سيخضع للكثير من الأخذ والرد، على شاكلة مصير كل القوانين الاشكالية التي يجري العمل عليها.

إنطلاقاً مما تقدم يشدد البروفسور دياب على أن “معالجة المسألة يجب أن تتم من الناحية القانونية البحتة، بعيداً من افتراض انعدام الثقة بين المتخاصمين والقضاء، أو الخوف من أن يكون القضاء لديه ميل لاأحد الفرقاء. فالقضاة قضاة، والمحاكم محاكم، وعلينا أن نقرر إن كنا نثق بالقضاء أم لا.

أهلية القضاة

“مما لا شكّ فيه أن ليس كل القضاة على اطلاع ومعرفة عميقة بالقضايا المحاسبية. وهذا ما تظهّر بشكل واضح مؤخراً. فقبل العام 2019 كان ما يطرح من مشاكل مصرفية أمام القضاة يقتصر على شيك مرتجع، أو مدين تخلف عن سداد دينه. القضايا كانت سهلة وفيها سوابق واجتهادات وقوانين واضحة. أما اليوم فقد اختلف شكل ومضمون الدعاوى بشكل جذري، فالقضايا المطروحة أمام القضاء ليس فيها اجتهادات أو قوانين أو حتى فقه”، بحسب البروفسور دياب، و”على القاضي أن يخلق القانون عند العمل على قضية ما، بشكل أن يكون أقرب ما يكون إلى الموجود. لكن هذا لا يعني أبداً، ضرورة انشاء محكمة خاصة. بل على العكس يجب أن تبقى المحاكم العادية هي صاحبة الاختصاص، وإن كان لا بد من تحديث، فيمكن تدريب القضاة على المسائل المحاسبية وتعيينهم في الغرف المتخصصة في محاكم البداية ضمن محافظة بيروت والاقضية الكبرى. كذلك الامر بالنسبة للاستئناف الذي يضم غرفاً متخصصة بالقضايا والنزاعات التجارية وصولاً إلى التمييز”.

إضاعة المزيد من الوقت

من جهتها لم تر جمعيات المودعين في طلب جمعية المصارف تشكيل محكمة خاصة إلا أمرين: الاول، كسب الوقت، وتمييع الدعاوى القائمة أو المنتظرة، نظراً لما يتطلبه تشكيل هذه المحاكم من وقت. والثاني، أملها بأن تأتي قرارات هذه المحكمة لمصلحة المصارف وليس المودعين في حال تم إنشاؤها. مخاوف المودعين المشروعة يقابلها بحسب البروفسور دياب، “تخوف مشروع لدى المصارف من عدم اختصاص القضاة في الكثير من الحالات. وهذا ما برز في قرار الاستحضار لرئيس مجلس إدارة الاعتماد المصرفي. والذي يظهر أن القاضي لم يكن على دراية كاملة بخلفيات القضية. حيث اكتفى بالنظر إلى تقرير مفوض المراقبة على البنك المعني، الذي يظهر عدم تطبيق المصرف للمعايير الدولية المحاسبية. مع العلم أن كل مفوضي المراقبة في بيروت توافقوا في العام 2020 بين بعضهم البعض على تجاوز المعايير المحاسبية الدولية لاستحالة تطبيقها”.

الحل إذاً، يبدأ بتخصيص قضاة في المسائل المالية والمحاسبية وإنشاء الغرف المتخصصة في محاكم البداية والاستئناف، وليس انشاء محاكم جديدة بطبيعة الحال. فهذا الامر لا يتطلب وقتاً مثل إنشاء محكمة خاصة، ولا ينتقص من قيمة العدالة، بل بالعكس فإنه يوفر الجهد والوقت والكلفة، ويصل بالمتخاصمين إلى النتيجة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى