مقالات ورأي

مأساة خذلان غزة

إذا كانت مشاهد أطفال غزة وهم يبكون لموت آبائهم وأمهاتهم أمام أعينهم، وإذا كانت مشاهد فتيات غزة البريئات العفيفات وهن يحتضن بعضهن البعض هلعا وخوفا من أصوات القصف الصهيونى فوق مساكنهن، إذا كانت مشاهد الدمار الهائل فى شوارع غزة المحاصرة الجائعة المحاربة ببطولة عدو همجى متوحش بلا ضمير بشرى ولا حتى إحساس حيوانى، وإذا كان الصهاينة البرابرة يدخلون يوميا المسجد الأقصى ويعبثون بمحتوياته ويدنسون أرضه… إذا كان كل ذلك قد حدث أمام أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية وأمام دول غربية تثرثر يوميا، بنفاق وكذب، بشأن حقوق الإنسان والأخوة الإنسانية، وأمام مجتمعات عربية متثائبة ببلاهة يعجز الإنسان عن وصف تفاهتها، فلا يكون رد الفعل أكثر من بيانات روتينية بتعبيرات ممجوجة مضحكة تصدر من هذه الجهة أو تلك، فما الذى بقى من تكوين هذا العالم مما يستحق أن يسمى مدنية أو حضارة أو قيم أخلاقية رفيعة أو قوانين دولية تنظم الحياة البشرية فوق هذا الكوكب المريض المحتضر؟
ما الذى يمكن قوله بشأن تصريح لرئيس مخرف عندما يرى كل تلك المشاهد المأساوية ومع ذلك لا يخجل أن يقول بأن بلاده الاستعمارية المجنونة تؤيد دفاع الكيان الصهيونى عن نفسه، وهو المدجج بكل أسلحة الدمار الشامل، بينما يتجاهل كليا الضحية المدمرة الجريحة فى غزة، فلا يقول كلمة واحدة من التعاطف الإنسانى بحقها وبحق أطفالها المفجوعين؟ ماذا يقول الإنسان بشأن الغياب الكامل لرد فعل عربى أو إسلامى تجاه ذلك التصريح الخبيث المنحاز المعبر عن كل رذيلة فى الدنيا؟
ماذا يقول الإنسان عن ردود الأفعال الباهتة الخائفة للجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى ومجلس الاتحاد المغاربى ومنظمة التعاون الإسلامى وهيئة الأمم وغيرهم بشأن الجرائم الصهيونية المتكررة اليومية المستهزئة بالعالم كله تجاه قرى الشعب الفلسطينى وسكان فلسطين وتجاه النهب الممنهج لما بقى من أرض فلسطين؟
ماذا يقول الإنسان عن عدم خروج ولا مظاهرة واحدة فى أرض العرب، وعلى الأخص فى أرض المطبعين الذين لا يرف لهم جفن وهم يرون الأيادى التى صافحوها تلغُ فى دماء الضحايا من الشعب الفلسطينى؟
كل أولئك المسئولين وكل تلك الجهات لم تفعل أكثر من إصدار تصريح احتجاجى يطالب بالهدوء والرجوع إلى المفاوضات العبثية القائمة على الكذب والخداع والكلمات المعسولة وغرز الخناجر فى خاصرة الشعب الفلسطينى. لم يستدع سفير صهيونى واحد، لم تقطع علاقة، لم يصدر تهديد، لم يدع أحد إلى مقاطعة البضائع والشركات والاستخباراتية الصهيونية كل ما رأيناه وسمعناه هو منظر موت الضمير والالتزام الإنسانى والمشاعر القومية العروبية والأخوة الإسلامية والتضامنية المسيحية الإسلامية والسخف الوجودى لمجلس الأمن الدولى وقهقهات كراسى مجلس حقوق الإنسان الدولى الخالية من الجالسين والواقفين. كان منظرا للقبور وشياطين القبور. لم يكن منظرا للأرض التى أرادها الله سكنا ولا منظرا للإنسان الذى أراده الله أن يتعارف وأن يتقى.
كانت شياطين الصهيونية هى التى تحكم هذا العالم. تحكم كل جوانب السياسة والمال والسلاح والعلاقات الدولية والأرض العربية باسم إبليس الذى تسمع قهقهاته فى كل جوانب كوكب الأرض المدنسة.
يا أرواح أطفال وأبطال غزة الهائمة فى ملكوت السماوات والأرض لا تغفرى قط لمن تفرجوا وسكتوا وآثروا جشعهم على عذاباتكم وآلامكم ووقفوا أمام الكيان الصهيونى بعيون منكسة ورءوس ذليلة منحنية وأياد قذرة مرتعدة.
يا تلك الأرواح العنى الذين خانوا الأمانة والوعود والذين تخلوا عن كل التزام إنسانى وقومى ودينى، ثم ناموا فى فراشهم قريرى العيون مع جيفة ضمير مات.
يا شهداء غزة، مرة تلو المرة، ببطولة الإيمان والصبر، لتسكنكم يد الرحمن الرحيم العادل جنات الخلد، ولتسكن يد الله المنتقم العادل كل فاجر ظالم قاتل فى نار جهنم وبئس المصير. يا رب الكون لم يبق عندنا إلا الدعاء والرجاء بعد أن أصبح هذا العالم أطرش لا يسمع أنين المهمشين والمظلومين وضحايا الغدر، ولكنه يزغرد مع ضحكات الظالمين الجشعين فى فلسطين المحتلة.

مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى